← العودة للرواية

ميراث الصحراء

الفصل 2: بوّابة الفجر الأولى

فتح الشاكرات - البوابة الأولى

# بوّابة الفجر الأولى

كانت الرمال تمتدُّ كبحرٍ ذهبيٍّ لا ساحل له، والشمسُ تراقبُ من عليائها ذلك المسافر الوحيد الذي يقطعُ القفار باحثاً عن حقيقةٍ غابت عنه عقوداً. فارس بن خالد الفيصلي لم يكن رجلاً عادياً يمتطي صهوةَ جواده عبر تلك الأرض القاسية، بل كان وريثَ دمٍ نبيلٍ، وحاملاً لقبٍ تلاشى صداه بين طيِّات الزمن.

"واحة السراب المنسي..."

تمتمَ الكلماتِ ببطءٍ، وكأنَّ الاسمَ نفسه يحملُ في طياته أسراراً لا يجرؤ على النطق بها. سمعَ عنها من جدِّه الراحل، في ليالي الشتاء الطويلة حين كان يجلسُ عند قدميه يستمعُ إلى حكايات الأولين.

*"يا بني، في تلك الواحة يسكنُ آخر حرّاس المعرفة القديمة. إذا يوماً أظلمت بك الدروب، فاذهب إليه. ��يجدك حين يحين الوقت."*

لكنَّ جدَّه لم يخبره كيف سيجد رجلاً في واحةٍ مهجورةٍ، ولا ما هي تلك المعرفة التي يتحدث عنها. مات الشيخ الجليل قبل أن يكمل حديثه، تاركاً وراءه أسئلةً أكثر من إجابات.

***

بعد ثلاثة أيامٍ من السفر المتواصل، لاحت في الأفق معالمُ الواحة. لم تكن كما توقعها فارس. لم يرَ نخيلاً باسقاً ولا مياهً جاريةً كما في واحات الجنوب. بل كانت أرضاً قاحلةً تكتنفها غمامةٌ غريبة، وكأنَّ الزمنَ نفسه توقف عندها.

نزلَ عن جواده الأصيل، مربطاً إياه عند صخرةٍ عتيقة. سارَ على قدميه نحو مركز الواحة، حيث بقايا بئرٍ قديمٍ ينبضُ بظلالٍ داكنة.

"كنتُ أنتظرك يا فارس."

انتفضَ الشابُّ من مكانه، مستلهماً سيفه في حركةٍ واحدةٍ سريعة. لكنه لم يجد أمامه إلا رجلاً عجوزاً يجلسُ على سجادةٍ باليةٍ، يرفلُ في ثوبٍ أبيضٍ ناصعٍ رغم قِدَمِه، لحيتُه بيضاءُ كالثغر، وعيناه تحملانِ عمقاً لا ساحل له.

"من أنت؟ وكيف عرفتَ اسمي؟"

ابتسمَ العجوز، فتجعدت ملامح وجهه في خريطةٍ من الحكمة المتراكمة: "أنا سليم بن مروان، آخر حرّاس علم الشاكرات المقدسة. وأما كيف عرفتُ اسمك، فالأقدارُ أخبرتني بمقدمك قبل ثلاثين عاماً من هذه اللحظة."

أرخى فارس سيفه ببطء، غير أنه لم يُخفِ ارتيابه: "علم الشاكرات؟ لم أسمع به من قبل."

"بالطبع لم تسمع. هذا علمٌ ورثناه عن الأوائل، من قبل أن تُنسى الحقائقُ وتُدفن تحت ركام الزمن."

أشارَ العجوزُ بيده نحو مكانٍ أمام السجادة: "اجلس يا بني. لدينا وقتٌ قصير، والطريقُ أمامك طويل."

***

جلس فارس مطيعاً، وعيناه لا تفارقان ملامح ذلك الغريب. كان في صوتِ الرجل وقارٌ جعل الشابَّ يشعر بأنه تلميذٌ أمام معلمه، رغم أنه لم يعرفه من قبل.

"أنت تحملُ في عروقك دماءً عظيمة يا فارس. دماءُ الفيصليين، الذين كانوا حرّاسَ الطريق القديم. جحدُّك كان آخرهم، وأنت الآن آخرُ وريثٍ لهذا الإرث."

"جدِّي؟" اتسعت عينا فارس. "لكنه لم يخبرني شيئاً عن ذلك!"

"لأنَّ الوقتَ لم يكن مناسباً. المعرفةُ قبل أوانها كالسيفِ في يدِ طفلٍ، تقتلُ صاحبها قبل عدوِّه."

أخذَ الشيخ نفساً عميقاً، ثم أشارَ بيده نحو صدر فارس: "في جسد الإنسان سبعُ بواباتٍ مقدسة، يخفيها الخالقُ في نقاطٍ محددة. كلُّ بوابةٍ تفتحُ باباً من أبواب القدرة الإلهية. هذه البواباتُ هي ما نسميها الشاكرات."

"سبعُ بوابات؟" تردد فارس في كلماته، محاولاً استيعاب ما يسمع.

"نعم. بوابةُ الجذر عند قاعدة العمود الفقري، وبوابةُ العجز أسفل السرة، وبوابةُ الضفيرة في منطقة المعدة، وبوابةُ القلب في صدر الإنسان، وبوابةُ الحلق في رقبته، وبوابةُ الجبهة بين الحاجبين، وأخيراً بوابةُ التاج في قمة الرأس."

سكتَ الشيخ لحظة، ثم تابع ��صوتٍ أخفت: "كلُّ بوابةٍ تفتحُ مرحلةً جديدةً من مراحل القوة. لكن افتتاحها يتطلبُ إرادةً من حديد، وروحاً صافيةً كالماء."

"وماذا يحدث لمن يفتحها؟"

"يصبحُ قادراً على ما لا يقدرُ عليه البشرُ العاديون. لكن الحذرَ واجبٌ، فالقوةُ بدون حكمةٍ دمارٌ محقق."

نهضَ سليم بن مروان ببطء، وكأنَّ جسدَه النحيل يحملُ عبءَ قرونٍ من المعرفة. سارَ نحو البئر القديم، وأشارَ لفارس بالاقتراب.

"انظر في الماء يا بني."

نظر فارس في البئر، فرأى وجهه منعكساً على سطح الماء الراكد. لكنه لاحظَ شيئاً غريباً: خيوطاً من الضوء الخافت تتدفق من جسده في الماء، كأنها أنهرٌ صغيرةٌ من نور.

"هذه هي طاقتك الحيوية. في جسدك الآن بواباتٌ مغلقةٌ، واليوم سنفتحُ الأولى منها."

***

جلس فارس في وضعيةٍ غريبةٍ أرشده الشيخ إليها، ظهره مستقيمٌ ورجلاه متقاطعتان، راحتاه مفتوحتان على ركبتيه.

"أغمض عينيك."

أطاع فارس، وأحسَ بالظلام يحيط به من كل جانب.

"الآن، تنفس ببطء. شهيقٌ من أنفك، وزفيرٌ من فمك. ركِّز على قاعدة عمودك الفقري. تخيَّل نقطةً من النور في ذلك المكان."

حاول فارس التركيز، لكن أفكاراً كثيرةً راحت تتقاطر في ذهنه. أفكارٌ عن والديه اللذين فقدهما، عن القبيلة التي تنتظره، عن نورة ابنة عمه التي وعدته بالانتظار.

"أفرغ ذهنك يا فارس. الأفكارُ كالغيوم، دعها تمرُّ ولا تمسك بها."

استغرق الأمر ساعةً كاملةً قبل أن ينجح فارس في إفراغ ذهنه. وفي تلك اللحظة، شعرَ بشيءٍ غريب: دفءٌ يبدأ من قاعدة عموده الفقري، كأنَّ جمراتٍ ملتهبةً تستيقظ من سباتها.

"أحسستُ شيئاً!" همسَ بصوتٍ مرتجف.

"لا تتكلم. ركِّز. أتبع ذلك الدفء، دعه يكبر."

امتثل فارس للأمر، وسرعان ما تحول الدفء إلى تيارٍ من الطاقة يتدفق من الأرض نفسها. شعرَ وكأنَّ جذوراً غير مرئيةٍ تمتدُّ من جسده إلى باطن الأرض، ترتبطُ بكل ذرةٍ من ترابها، بكل حبةِ رملٍ فيها.

"بوابةُ الجذر ترتبطُ بالأرض يا فارس. هي أساسُ كل شيء. منها تستمدُّ الثبات، ومنها تشتقُّ القوة."

كان الألم شديداً، وكأنَّ جسده يتمزق من الداخل. لكن فارساً تحمَّل، مستذكراً كلمات جدِّه: *"الرجلُ الحقيقي يثبتُ حين يجزعُ الآخرون."*

فجأةً، انفتح شيءٌ في داخله. شعرَ بموجةٍ هائلةٍ من الطاقة تنطلق من قاعدة عموده الفقري، تملأُ كل خليةٍ في جسده. أضواءٌ متوهجةٌ انفجرت خلف جفونه المغلقة، وأحسَّ بقوةٍ لم يعرفها من قبل.

"افتح عينيك."

فتح فارس عينيه، فرأى العالمَ مختلفاً. الألوانُ أكثر حدةً، والأصواتُ أوضح، وحتى الرمالُ تحت قدميه بدت وكأنها تنبضُ بحياةٍ خفية.

التقطَ العجوزُ قطعةً من الزجاج المكسور ورفعها أمام وجه فارس.

"انظر."

نظر فارس في الانعكاس، فجمُدَ في مكانه. عيناه ��م تعودا بنيتين كما كانتا، بل تحولتا إلى لونِ الذهب الخالص، مع بقعٍ من الضوء تتلألأ في أعماقهما كنجومٍ في سماءِ ليلٍ صافية.

"هذه علامةُ بوابةِ الجذر. عيناك الآن ترى ما لا تراه العيونُ العادية."

***

"لكن... كيف حدث هذا؟" سأل فارس بصوتٍ مختنق، لم يستوعب بعد ما جرى.

"فتحتَ أولى البوابات، وهذا تغييرٌ دائم. عيناك الذهبيتان ستكونان دليلاً على ما أنجزت، ووساماً على جبينك يُخافُ منه الأعداء ويحترمه الحلفاء."

جلس فارس على الرمال، يحاول استيعاب التحول الذي طرأ عليه. شعرَ بأنه إنسانٌ آخر، كأنَّ جزءاً من كينونته استيقظ من سباتٍ طويل.

"هل هذا يعني أنني أصبحتُ أقوى؟"

"جسدياً؟ نعم، قوتك ستتضاعف. لكن الأهم أنك الآن مرتبطٌ بالأرض. ستشعرُ بخطواتِ من يقترب منك قبل أن تراهم، وستعرفُ اتجاهَ الماءِ في الصحراء حتى لو كنتَ في أقصاها."

نهضَ فارس ببطء، واختبرَ قدميه. كان يشعرُ بثباتٍ غير عادي، كأنَّ الأرضَ نفسها تدعمه.

"متى أفتح البوابة الثانية؟"

ضحكَ العجوز ضح

arar-MEcompleted