# عرش السماء السابع
كانت الرياح تعوي كذئب جريح فوق منحدرات جبل النور، تحمل معها أصداء أهازيج الأجداد الذين سبقوه إلى هذا المكان المقدس. وقف فارس عند سفح الجبل، وعيناه تحدقان في القمة المغيّبة وراء غيوم من نورٍ ذهبي يتلألأ كأنه حُوك من خيوط الشمس نفسها.
ست بواباتٍ فتحها في رحلته المُرهقة، وستة أرواحٍ من الأبطال القدامى رحّبت به في عوالم ما بين السماء والأرض. لكن البوابة السابعة، بوابة التاج، كانت مختلفة. لم يكن اسمها وليد صدفة، بل حكايةُ مَلكٍ قديم تنازل عن بشريته ليصبح حارساً للسماء.
"أيها الفتى..."
التفت فارس خلفه، فرأى الجدث العظيم يرقبُه من بعيد. كانت قبيلته بانتظاره، ووالده الشيخ يعلو وجهه تجاعيدُ القلق والأ��ل معاً. ليلى، حبيبة قلبه وابنة عمه، كانت تقف إلى جانب والدها، ويداها تقطران بالدموع التي أبت إلا أن تسيل على خديها.
"لا تذهب، يا فارس." صوتها جاء خافتاً محمولاً على جناحات الريح. "البوابة السابعة لا تُفتح إلا بثمنٍ باهظ."
ابتسم فارس ابتسامةً حملت في طياتها كلّ أحلام الصبا وآمال الرجولة. "ليلى يا ابنة العم، ألم يكن جدّي الأكبر يقول: مَن رام العلا سهر الليالي؟"
"لكن هذا ليس سهَراً في طلب العلم، بل موتٌ في طلب الخلود!"
أطرق فارس برأسه لحظة، ثم رفع عينيه نحو القمة مرة أخرى. كان يعلم ما تنتظره، فقد أخبره روحُ البطل الخالد في البوابة السادسة أن بوابة التاج تطلب صاحبها روحه، ولا تقبل أقل من ذلك.
"قبيلتي تحتاجني." قال بصوتٍ جهوريّ يتلألأ كالسيف المسلول. "الشيطان الأحمر يقترب، وجيوش الظلام تزحف كالجراد على أرضنا. إن لم أفتح البوابة السابعة، فمَن سيحميكم؟"
بدأ الصعود.
***
كانت الخطوة الأولى على المنحدر كالخطوة على جمر الغضى، تحرقُ القدم وتلهب الروح. لكن فارساً واصل المسير، وعصاه الغليظة تتكئ على الصخر كأنها تبحث عن ثباتٍ في عالمٍ يتهالك.
مع كل خطوة، كان يسمع أصواتاً من الماضي. صوتُ أمه وهي تهمس له قبل أن ترحل إلى العالم الآخر: "كن سيفاً لقبيلتك، يا بني." صوتُ أبيه يعلمه فنون الفروسية: "الشرف لا يُشترى، بل يُكتسب بالدم والعرق." وصوتُ ليلى وهي تعدُه بالانتظار: "سأنتظرك حتى يعود البدر ليلاً والشمس ليلاً."
بعد ساعاتٍ من الصعود الشاق، وصل إلى منصةٍ صغيرة محفورة في الصخر. هناك، وجد كتابةً قديمة منقوشة بالذهب على لوحٍ من الرخام الأبيض:
*هنا توقف الأبطال. هنا بدأ الخالدون.*
جلس فارس ليلتقط أنفاسه، وعيناه تقرآن الكتابة مراراً. كم من الأبطال سبقوه؟ وكم منهم نال الخلود؟
فجأةً، هبّت ريحٌ باردة تحمل معها رائحة الدخان والكبريت. قفز فارس واقفاً، ويده تتحسس سيفه.
"أحسنت الوصول، يا حفيد الأنذال!"
الصوت جاء من خلفه، غليظٌ كصوت الرعد في يوم عاصف. التفت فارس ببطء، فرأى ما جعله يجمُد في مكانه.
الشيطان الأحمر.
كان مخلوقاً هائلاً يبلغ طوله ضعف طول فارس، جلده أحمر كالنار المتأججة، وعيناه سوداوان كالهاوية. قرناه المعقوفان يلمعان في ضوء الغيوم الذهبية، وذيله يتحرك خلفه كثعبانٍ يتربص بفريسته.
"ظننت أنك ستصل إلى القمة قبل أن أجدك." قال الشيطان بضحكةٍ جعلت الصخر يهتز. "لكن يبدو أنني سأمنحك موتاً سريعاً هنا."
استل فارس سيفه، وكان النصل يلمع ببرودةٍ تناقض حرارة الموقف. "لستُ أول من يواجهك، ولن أكون آخرهم. لكنني سأكون أول من يهزمك."
ضحك الشيطان مرة أخرى، ثم هجم.
***
كانت الضربة الأولى كزلزالٍ يضرب الجبل. تدحرج فارس على الصخر، ودماؤه تسيل من جرحٍ في كتفه. لكنه لم يتوقف. قفز واقفاً، وسيفه يرسم قوساً فضية في الهواء.
تصادف النصلان بفرقعةٍ ألهمت الشرر في كل اتجاه.
"أنت أقوى مما توقعت، أيها البشر." زأر الشيطان وهو يهاجم مرة أخرى. "لكن قوتك لا شيء أمام قوة الظلام!"
استمرت المعركة لساعاتٍ بدت كدهور. كل ضربةٍ من الشيطان كانت تحمل قوة تحطيم الجبال، وكل طعنةٍ من فارس كانت تحمل إرادة أجيالٍ من المحاربين الشرفاء.
عند الغروب، كان فارس ينزف من عشرات الجروح، وثوبه ممزق، وأنفاسه تتلاحق كأنفاس ثورٍ منهك. لكن الشيطان الأحمر لم يكن بأفضل حال، إذ كان جرحٌ عميق يشق صدره، وذراعه اليسرى تتدلى بلا حراك.
"كيف... كيف تستطيع مقاومتي؟" سأل الشيطان بصوتٍ مبحوح. "أنا سيد الظلام، مُدمّر الحضارات، وقاهر الأبطال!"
ارتفع سيف فارس ببطء، وكانت يده ترتجف من الإرهاق. "لأنني لا أحارب لنفسي. أنا أحارب لأجيالٍ لم تولد بعد. أحارب من أجل شرفٍ و��ثته عن أبي وأجدادي. أحارب من أجل..."
توقف لحظة، وصورة ليلى مرت في ذهنه.
"أحارب من أجل الحب."
انطلق فارس في هجومٍ أخير. كان يتحرك كالبرق، وسيفه يغني أغنية الموت. الشيطان حاول صدّ الضربة، لكن فارساً كان أسرع من الظلام نفسه.
اخترق السيفُ صدر الشيطان الأحمر، وخرج من ظهره مع انفجارٍ من النور الأبيض.
"مستحيل..." همس الشيطان قبل أن يتحول إلى رمادٍ تذروه الرياح.
سقط فارس على ركبتيه، وأنفاسه تتلاحق. كان قد انتصر، لكنه يعلم أن المعركة الحقيقية لم تنتهِ بعد.
***
واصل الصعود، وكل خطوةٍ كانت أصعب من سابقتها. جسده أنهكته المعركة، وروحه أثقلتها الجراح. لكنه واصل، مدفوعاً بإرادةٍ لا تعرف المستحيل.
عند منتصف الليل، وصل إلى القمة.
كانت بوابة التاج تقف أمامه، شاهقةً كبرجٍ من النور. سبعة أعمدة من الذهب تحمل سقفاً من الفضة المنقوشة، وفي الوسط، بابٌ من ضياءٍ لا يُحتمل.
"مَن يطلب الخلود؟" صوتٌ جاء من كل مكانٍ ولا مكان.
"أنا فارس بن خالد بن عبدالله، من قبيلة النور."
"ولماذا تطلب الخلود، يا فارس بن خالد؟"
صمت فارس لحظة، ثم أجاب بصوتٍ اشتعلت فيه نيران الحقيقة: "لا أطلب الخلود لنفسي. أطلبه لقبيلتي. أطلبه لكل مَن يأتي بعدي. أطلبه لأن العالم يستحق أن يكون مكاناً آمناً لأحفاد أحفادي."
ضحك الصوت، لكنها كانت ضحكةً طيبةً كخرير الماء في الوادي. "أجوبةٌ كثيرة سمعتها، لكن جوابك هو الأول الذي لا يذكر صاحبه."
انفتحت البوابة ببطء، وكان من خلفها نورٌ يفوق وصف البشر.
"ادخل، يا فارس. لكن اعلم أن ما ستفقده لن تعوضه أي قوة في الكون."
خطا فارس خطوته الأولى عبر البوابة، وفي تلك اللحظة، شعر بأن جسده يذوب كشمعةٍ تحت شمس الصحراء. كان ألماً لا يُحتمل، لكنه كان أيضاً تحرراً لا يُوصف.
***
في الوادي أسفل الجبل، كانت ليلى تراقب القمة بقلبٍ معلق بخيط الأمل. فجأةً، انطلق شعاعٌ من النور من قمة الجبل، اخترق السماء ووصل إلى ما بعد النجوم.
"فارس..." همست، ودموعها تتحول إلى لآلئ تحت ضوء القمر.
بجانبها، وقف الشيخ خالد، والد فارس، وعيناه لا تصدقان ما ترى. "لقد فعلها... ابني فعلها."
***
في البوابة السابعة، كان فارس يمر عبر نفقٍ من الضوء. رأى حياته كلها تعرض أمامه: طفولته في أحضان أمه، شبابه مع ليلى، تدريبه مع أبيه، كل لحظةٍ عاشها كانت هناك.
ثم رأى ما سيأتي. رأى قبيلته تنمو وتزدهر. رأى أحفاده يحملون اسمه بفخر. رأى عالماً أفضل بُني على تضحيته.
"هل تقبل هذا المصير؟" سأله الصوت.
"أقبل."
في تلك اللحظة، تحول فارس. لم يعد بشراً عادياً، بل صار شيئاً أكبر. صار نوراً يسري في الكون، صار