← العودة للرواية

تحت ضوء القمر

الفصل 1: رياح القدر واستيقاظ الروح

استيقاظ القدرات الخارقة

# رياح القدر واستيقاظ الروح

في ليلةٍ تكاد فيها السماء تُخبر بكل أسرار الكون، حيث يمتدُّ القمر الفضيّ على كثبان الرمل الذهبية كأنه حلمٌ قديم يستيقظ من سباتٍ طويل، هناك في قلب الصحراء الشاسعة، حيث تتعانق السماء مع الأرض في عناقٍ أبديّ، انفتحت عينا نورة على عالمٍ لم تكن تعرفه من قبل.

كانت الظلمةُ رقيقةً كستارٍ من حريرٍ أسود، والقمرُ يرسل خيوطه الفضية من خلال نافذةً عاليةً تطل على بحرٍ من الرمال لا نهاية له. النجومُ كانت تتراقص في السماء كفراشاتٍ من نور، والرياحُ تهمسُ بأسرارٍ قديمةٍ لأذن الليل.

حاولت نورة أن تتنفس، لكن الهواء كان مختلفاً. كان يحمل في طياته عبق البخور والعود، ورائحةَ الورودِ الدمشقية التي تُزرع في حدائق القصور القديمة. فتحت عينيها ببطء، ورأت فوق رأسها قبةً من السقف مزينةً بنقوشٍ عربيةٍ معقدة، تروي حكاياتِ أجدادٍ عظماء ومعاركَ خالدة.

"أين أنا؟" همست بصوتٍ لم يكن صوتها، أو هكذا خُيِّل إليها.

حاولت النهوض، فشعرت بجسدها يتحرك بنعومةٍ واقتدار، كأنه جسدُ راقصةٍ تدربت على فن الحركة سنواتٍ طوال. نظرت إلى يديها، فوجدتهما مكسوتين بحناءٍ حمراء برسوماتٍ هندسيةٍ دقيقة، وعلى معصمها أساورُ من الذهبِ الخالص نُقشت عليها رموزٌ لم تفهمها، لكنها شعرت بأنها تعرفها في أعماق روحها.

مرآةٌ كبيرةٌ من النحاس المصقول كانت تقف في زاوية الغرفة، فنهضت واقتربت منها بخطواتٍ مترددة. وما إن وقعت عيناها على صورتها حتى كادت تصرخ، لكن صوتها خُنق في حلقها.

الوجهُ في المرآة لم يكن وجهها. كان وجهاً آخر، أجملَ وأبهى. عينانِ واسعتانِ سوداوانِ كليليِ الصحراء، تحيط بهما رموشٌ طويلةٌ كأجنحةِ فراشات الليل. أنفٌ دقيقٌ مستقيم، وشفتانِ ممتلئتانِ بلونِ الرمان. شعرٌ أسودُ كالليلِ يتدلى حتى خصورها في تموجاتٍ طبيعية، وبين طياته خيوطٌ من الذهبِ المضفور. جبينٌ عالٍ يشي بالحسبِ والنسب، وعلى خدها الأيمن خالٌ صغيرٌ كنقطةِ مسكٍ وضعتها يدُ القدر.

تراجعت خطوةً إلى الوراء، وقلبها يدق دقاتٍ كأنها طبول الحرب. من هذه؟ ومن تكون هي في هذا الجسد الغريب؟

"أنتِ ليلى... ابنةُ شيخ القبيلة."

التفتت نورة حولها، تبحث عن مصدر الصوت، لكن الغرفة كانت خاليةً إلا منها. الصوتُ جاء من داخلها، من أعماق روحها، كأنه صدى لذكرياتٍ لم تعشها.

أغلقت عينيها، ورأت صوراً تتقاطر في ذهنها كشلالٍ من الأحلام: رجلٌ عجوزٌ ذو لحيةٍ بيضاء يجلس على كرسيٍ من خشبِ السدر، وعيناه تحملانِ حكمةَ آلاف السنين. امرأةٌ جميلةٌ ترتدي ثوباً أخضر، تهمس لها بأغاني الأطفال. فرسٌ أصيلٌ يجري عبر الكثبان، وحصانٌ آخر يحمل على ظهره فارساً مجهولاً يختفي في الأفق.

"أبي... أمي..." تمتمت نورة، والكلمات تنساب من شفتيها كأنها كانت محبوسةٍ منذ أبد. "لكنني لا أعرفكم."

فُتح باب الغرفة فجأةً، ودخلت جاريةٌ شابةٌ ترتدي ثوباً أزرق، تحمل في يديها صينيةً من الفضة عليها إبريقٌ من النحاس ومنشفةٌ مطرزة.

"يا سيدتي! هل استيقظتِ أخيراً؟" قالت الجارية بصوتٍ خافت. "لقد ظللتِ نائمةً ثلاثةَ أيامٍ بلياليها. الشيخُ ينتظركِ بفارغ الصبر."

نورة - أو ليلى كما يبدو - نظرت إلى الجارية بذهول. ثلاثةُ أيام؟ كيف يُعقل ذلك؟ آخر ما تتذكره هو أنها كانت في غرفتها، تقرأ كتاباً عن الأساطير العربية القديمة، ثم شعرت بدوخةٍ مفاجئة، و...

"ما الذي حدث؟" سألت بصوتٍ مرتجف.

الجاريةُ وضعت الصينية على طاولةٍ صغيرةٍ بجانب السرير، واقتربت منها بقلق.

"يا سيدتي، ألا ��تذكرين؟ العاصفةُ التي ضربت القصر قبل ثلاث ليالٍ. لقد كنتِ في الحديقة، وعندما هبت الريحُ العاتية، سقطتِ أرضاً. الأطباءُ ظنوا أنكِ لن تصحي من غيبوبتك أبداً."

العاصفة... الريح... شعرت نورة بقشعريرة تسري في جسدها. كأن كلمات الجارية توقظ شيئاً ما في داخلها، شيئاً كان نائماً في انتظار هذه اللحظة.

"اتركيني الآن،" قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتاً. "أحتاجُ أن أرتدي ثيابي."

انحنت الجاريةُ احتراماً وخرجت، تاركةً نورة وحدها مع أفكارها المضطربة.

اقتربت من النافذة مرة أخرى، ونظرت إلى الخارج. القصرُ كان كبيراً، بأسوارٍ عاليةٍ وأبراجٍ شامخة. في الأسفل، رأت رجالاً يتحركون، ونساءً يحملن الجرار على رؤوسهن، وأطفالاً يركضون في ساحاتٍ ترابية. حياةٌ كاملةٌ تدور داخل هذه الأسوار، حياةٌ هي الآن جزءٌ منها بطريقةٍ أو بأخرى.

وضعت يدها على حافة النافذة، وأغمضت عينيها لحظة، تحاول أن تفهم ما يحدث. لكن في تلك اللحظة، شعرت بشيءٍ غريبٍ يحدث.

هواءٌ دافئٌ بدأ يتحرك حول يديها. فتحت عينيها، ورأت شيئاً لا يُصدق: خيوطٌ من الهواءِ تتراقص حول كفيها، كأنها أفاعٍ صغيرةٌ من نورٍ شفاف. كانت الرياحُ تطيعها، تستجيبُ لوجودها، تهمسُ بأسرارها.

رفعت يدها ببطء، فتبعتها الرياحُ كطفلٍ يتبع أمه. أنزلتها، فهبطت الرياحُ معها. حركت أصابعها في الهواء، فرأت دواماتٍ صغيرةً تتشكل وتختفي بإرادتها.

"ما هذا؟" همست، والرعبُ والدهشةُ يتصارعان في صدرها.

كانت تعرف أن هذا غير طبيعي. كانت تعرف أن البشر لا يتحكمون في الرياح. لكنها كانت تشعر أيضاً أن هذه القوةُ جزءٌ منها، كأنها كانت كامنةً في عروقها طوال حياتها، تنتظر اللحظة المناسبة لتستيقظ.

سمعت خطواتٍ ثقيلةً تقترب من باب غرفتها، ثم صوتُ طرقٍ عميق.

"ليلى... يا ابنتي. هل أنتِ بخير؟"

الصوتُ كان عميقاً، يحمل في طياته سطوةَ السلطة ولينَ الأبوة. فُتح الباب، ودخل رجلٌ طويلٌ عريضُ المنكبين، بوجهٍ محروقٍ من الشمس ولحيةٍ سوداءٍ فيها خيوطٌ من الشيب. عيناه كانتا ثاقبتين كعيني صقر، لكنهما امتلأتا بالقلقِ حين وقعتا عليها.

"يا أبتِ..." الكلماتُ خرجت من فمها دون أن تفكر فيها، كأنها انتظرت هذا اللحظة طويلاً.

اقترب الشيخُ منها ووضع يديه على كتفيها، ينظر إليها بعينين تفيضان بالحب.

"الحمدُ لله الذي ردكِ إلينا. لقد خفتُ عليكِ كثيراً."

شعرت نورة بدمعةٍ تنهمر على خدها، رغم أنها لم تكن تعرف هذا الرجل. لكن جسدها كان يعرفه، وروحها كانت تشعر بالأمان في وجوده.

"أبي،" قالت بصوتٍ خافت. "أريد أن أسألكَ شيئاً."

"اسألي يا ابنتي. فأنا شيخُ هذه القبيلة، وأبوكِ قبل كل شيء."

تنفستْ بعمق، ثم سألت السؤال الذي كان يحرق صدرها: "من نحن؟ أعني... من أين جاء نس��نا؟"

تحول وجه الشيخ فجأة. الزاويةُ التي كانت فيها الابتسامة اختفت، وحل محلها تعبيرٌ من القلقِ والتحفز. نظر حوله كأنه يخشى أن يسمعه أحد، ثم اقترب منها وهمس:

"لماذا تسألين هذا السؤال الآن؟"

"لأني أشعر... بشيءٍ يتغير في داخلي."

نظر الشيخُ إليها طويلاً، كأنه يقرأ أسراراً في عينيها. ثم تنهدَ تنهيدةً عميقة، وأخذ بيدها وقادها إلى زاوية الغرفة حيث كان بابٌ صغيرٌ مخفيٌ خلف سجادةٍ معلقة.

"تعالي معي. هناك ما يجب أن أريكِ إياه."

نزلا معاً درجاً حجرياً ملتوياً ينتهي إلى غرفةٍ تحت الأرض. الجدرانُ كانت من الحجرِ القديم، ومصابيحُ الزيتِ على الجانبين تُضيء الطريق بضوءٍ خافتٍ ومتذبذب.

في نهاية الدرج، دخلا قاعةً صغيرةً في وسطها عمودٌ من حجرٍ أبيض، وعلى العمود كتابٌ ضخمٌ من الجلدِ البني المتهالك.

"هذا كتابُ أجدادنا،" قال الشيخ بصوتٍ خافت. "يحملُ تاريخَ قبيلتنا منذ آلاف السنين."

اقتربت نورة من الكتاب،

arar-MEcompleted