← العودة للرواية

تحت ضوء القمر

الفصل 5: واحة الأبد ووفاء العهود

الزواج التعاقدي وصراعات الحريم

# واحة الأبد ووفاء العهود

## الفصل الخامس

عندما طلعت شمس ذلك اليوم التاريخي، كانت رمال الصحراء قد احتفت بأقدام جديدة، وأصبحت كل حبة رمل شاهدة على عهدٍ سيدوم ما دامت السماء فوق الأرض. وقف فارس بن صقر أمام بوابة القصر الكبير، وعيناه تلمعان ببريق الانتصار والرحمة في آن واحد. كان يوم الحساب قد أتى، ويوم العدل قد لاح، والقصاص سيمتد كظلال النخيل ليغطي كل من أساء إلى العهد.

"أحضروا الخونة أمامي،" قال فارس بصوتٍ هادر كالرعد، فاهتزت أركان الديوان.

سُحب الرجال الذين تآمروا مع عمه المخلوع، أياديهم مقيدة بالحبال، ورؤوسهم مطأطأة من الخزي. كان في مقدمتهم مستشاره السابق الذي باع شرفه بدراهم معدودة، وشيوخ قبائل صغار ظنوا أن الريح تميل مع العاصفة، فإذا بهم يقعون في مهاوي الندم.

نظر فارس إليهم طويلاً، ثم التفت إلى ليلى التي وقفت إلى يمينه، لابسةً ثوباً أبيض كالفضة، وعلى رأسها تاج من اللؤلؤ الصحراوي. كانت قوتها الخارقة قد هدأت الآن، لكن بريقاً أخضر باهتاً ظل يتراقص في عينيها، يذكّر الجميع بأن هذه المرأة ليست كنساء الأرض العاديات.

"يا قوم،" خاطبتهم ليلى بصوتٍ رقيق كخرير الماء، "إن العدل ليس انتقاماً، بل هو رحمة للأمة من شرور المفسدين. من منكم يعترف بذنبه ويطلب العفو؟"

تقدم المستشار السابق، وركباه ترتعدان: "أنا أقر بذنبي يا سيدتي. طمعت في السلطة، ونسيت أن الوفاء أغلى من الذهب. فاحكمي علي بما شئت."

صمت الديوان، وعلقت الأنفاس. نظر فارس إلى ليلى، وإذا بها تبتسم ابتسامةً عذبة، وتقول: "لا قتل اليوم على أرض هذا القصر الطاهر. نفيتم إلى أطراف الصحراء، تعيشون هناك حتى يشاء الله غير ذلك. ومن تاب تاب الله عليه."

هتف الحاضرون: "العدل! العدل! بارك الله في الأمير والأميرة!"

هكذا طُهّر القصر من سموم الفساد، وأصبحت أروقته نظيفةً كمرآة الصفا. لكن المحكمة لم تكن إلا البداية، فكان لا بد من مواجهةٍ أخرى، أصعب وأشد: مواجهة الحريم.

***

في جناح النساء، كانت الأجواء مشحونةً بالتوتر. ضرّات ليلى السابقات، اللواتي كنّ يتحاسدن على قلب فارس، جلسن في أرجاء الغرفة، كلٌّ منهن تحسب حساباً للجديدة التي جاءت بقدراتٍ خارقة وقلبٍ لا يُقهر. منهن سلمى ابنة شيخ قبيلة بني رشد، ومنهن نورة حفيدة تاجر العطور الكبير، ومنهن ميا التي كانت أحبّ نساء فارس قبل مجيء ليلى.

دخلت ليلى الغرفة وحدها، بدون حرس، وبدون فارس. خطت بخطواتٍ واثقة نحو المقاعد المكسوة بالحرير، وجلست في الوسط، ثم نظرت إلى النسوة واحدةً واحدة.

"يا بنات عمي،" بدأت ليلى بصوتٍ لا تكلف فيه ولا غرور، "أعلم ما في قلوبكن من غيظ. فأنا جئت غريبة، وأصبحت سيدة هذا القصر. لكني لم آتِ لأنقص من قدركن، بل جئت لأبني معكن صرحاً جديداً."

قاطعتها ميا بحدة: "وكيف نثق بكِ؟ أنتِ لستِ منا. عيناكِ تتلألآن بقوةٍ غريبة، ويديكِ تحملان سحراً لا نعرفه. كيف نعلم أنكِ لن تأمري الرياح بمسحنا من الوجود؟"

ابتسمت ليلى، ومدت يدها نحو ميا: "تعالي، خذي يدي."

ترددت ميا، ثم تقدمت ووضعت يدها في يد ليلى. فجأةً، شعرت ميا بدفءٍ يسري في أوصالها، ورأت في عيني ليلى صورةً: صورة نفسها تقف إلى جانب ليلى، قويتين متعاضدتين، كأختين لا كضرتين.

قالت ليلى: "قوتي ليست سلاحاً ضدكن، بل هي نعمة أرادها الله لخدمة قومنا جميعاً. أنا لا أريد أن أكون سيدةً على الرقاب، بل شقيقةً للقلوب."

خرجت الدموع من عيني ميا، وقالت: "سامحيني يا سيدتي. كنتُ جاهلةً بحقيقة أمرك."

عندها تقدمت سلمى ونورة، وقلوبهن قد تلين. قالت سلمى: "إن كنتِ صادقةً، فأعطينا عهداً أن لا تفضلي واحدةً منا على الأخرى في الحقوق."

أجابت ليلى: "أعطيكن عهداً على شرف قبيلتي: أنا وليلى بنت كرام، لا أنكث عهداً أبداً. كل منكن شقيقة لي، ولكل منكن مكانة في هذا القصر. والذي يهمس في أذن فارس بشرٍّ ضد أختها، فقد ظلمت نفسها قبل أن تظلمنا."

هكذا تصالحت ليلى مع ضرّاتها، وأصبحن كالأخوات. وعلمت نساء القصر أن القوة الحقيقية ليست في التسلط، بل في العدل والرحمة.

***

في ليلة اكتمال القمر، أُقيمت وليمة عظيمة في القصر. كانت أطول مائدة مدت في تاريخ القبائل، تجلس عليها شيوخ القبائل ووجهاء الناس، وتُوزع عليها ألوان الطعام من كل صنف. وفي صدر المجلس، جلس فارس وليلى، متجاورين على عرش من الخشب المنقوش بالذهب.

وقف شاعر القبيلة، وبيده عوده القديم، وأنشد:

*يا ليلةَ القمرِ المنيرِ* *جمعتِ بينَ الحبيبِ والنذيرِ* *فارسُ أتى بالعدلِ يحدوهُ* *وليلى شعلةُ في الضميرِ*

*كان العقدُ بينهما حكماً* *فأصبحَ الحبُّ في التقديرِ* *يا سادةَ القومِ اشهدوا* *ها قد عادَ للصحراءِ مجدُها*

صفّق الحاضرون، وارتفعت الأصوات بالتهليل. ثم قام فارس، وأشار بيده ليسكت الجمع، وقال:

"يا معشر الشيوخ والوجهاء، يا أهل الصحراء الكرام. لقد كان عهدي مع ليلى عقداً رسمياً، بُني على الحاجة والمصلحة. لكنني أقول لكم اليوم، أمام الله والناس: ما كان عقداً أصبح قلباً. ما كان حكماً أصبح حباً. وأشهدكم أن ليلى ليست زوجتي فحسب، بل هي شريكة حكمي، ورفيقة دربي، وسيدة قلبي إلى الأبد."

نظر فارس إلى ليلى، وإذا بدموعها تتراقص في عينيها. قالت بصوتٍ خافت: "وأنا أشهدكم أن فارساً ليس زوجي فحسب، بل هو سيفي ودرعي، وعمري وعمري."

عندها قام شيخ المشايخ، وهو أكبرهم سناً، وقال: "يا بني، إن هذا العهد الجديد يحتاج إلى أساسٍ متين. والأساس المتين يبدأ بالعدل والقوة."

ثم التفت إلى ليلى: "يا ابنتي، قوتكِ التي منحكِ الله إياها، كيف ستُستخدم في حكم القبائل؟"

أجابت ليلى بثبات: "يا جداه، قوتي ستكون نعمةً لا نقمة. سأشفي بها المرضى، وأحمي بها الضعفاء، وأبني بها ما تهدمه السنون. سأعلم بنات القبائل كيف يكنّ قويات بلا ظلم، ورقيقات بلا ضعف. وسأقف إلى جانب فارس في كل قرار، أشير عليه وأشاطره الرأي."

هكذا تأسس حكم جديد في الصحراء، حكم يقوم على العدل والرحمة والقوة الخارقة المستخدمة في الخير. وأصبحت ليلى أول امرأة في تاريخ القبائل تشارك في مجلس الشورى وتكون صوتها مسموعاً.

***

بعد انتهاء الوليمة، خرج فارس وليلى إلى شرفة القصر المطلة على الواحة. كان القمر بدراً كاملاً، يضيء السماء بنوره الفضي، وتنعكس أشعته على مياه العيون فتبدو كأنها مُذّابة من الفضة.

وضع فارس يده على كتف ليلى، وقال: "أتذكرين ليلتنا الأولى؟"

ابتسمت ليلى: "كيف أنساها؟ كنتُ خائفةً، وأنت كنت قاسياً. كلاهما حمل أثقالاً لا يعلم بها إلا الله."

قال فارس: "كنت أظن أن الزواج صفقة، وأن العاطفة ضعف. علّمتني أنني كنت مخطئاً."

أجابت ليلى: "وأنا كنت أظن أن قوتي نقمة ستبعدني عن الناس. علّمتني أن القوة الحقيقية في حماية من نحب."

ساد الصمت لحظة، ثم قال فارس: "ليلى، أريد أن أهديكِ هدية."

أخرج من ثوبه قلادةً من الذهب الخالص، تتوسطها زمردة خضراء كبيرة، نادرة الوجود، تلمع كعيني ليلى نفسها. قال: "هذه الزمردة أتى بها تاجر من أرضٍ بعيدة. ذكرتني بلون عينيكِ حين تستخدمين قوتكِ."

أخذت ليلى القلادة بيدها، ونظرت إليها طويلاً، ثم قالت: "إنها جميلة. لكن أجمل منها أنكَ لم تعد تنظر إليّ كأداة، بل كإنسانة."

وضع فارس القلادة حول عنقها، ثم أطبق كفّيه على كفّيها، وقال: "أقسم لكِ ي�� ليلى، بحياتي وعرضي، أنني سأحميكِ حتى آخر قطرة من دمي. وسأكون لكِ زوجاً صادقاً، لا حاكماً متسلطاً."

رفعت ليلى عينيها إليه، وقالت: "وأنا أقسم لكَ يا فارس، أنني سأكون لكِ سنداً لا عوناً، ورفيقةً لا تابعاً، وسأحبكَ حتى يرث الله

arar-MEcompleted