# أفاعي القصر وسموم الظلال
كانت ليلى تقف على عتبة جناح الحريم، قلبها يخفق كعصفور حبيس، وعيناها تستكشفان الممرات المظلمة التي تمتد أمامها كأفواه جائعة تنتظر ابتلاعها. كانت الجدران المغطاة بالفسيفساء الزرقاء تتلألأ تحت ضوء الشموع، لكنها لم تكن ترى فيها جمالاً، بل رأت فيها وجوهاً خفية تتربص في الظلال.
"ادخلي يا سيدتي،" قالت الجارية التي ترافقها، وصوتها كان يحمل نبرة من الخوف المكتوم. "الضرّات ينتظرنك."
دفعات ليلى نفسها إلى الأمام، وخطواتها كانت ثقيلة كأنها تحمل جبال الدنيا على كاهلها. كانت تعلم أن هذا اليوم آتٍ، اليوم الذي تواجه فيه نساء الأمير اللواتي سبقنها إلى قلبه وسريره. لكنها لم تكن تتوقع أن يكون الاستقبال بهذا البرود القارس.
الجناح كان فسيحاً، أرضيته من الرخام الأبيض المرصع بالذهب، وسقفه المقبب يرسم لوحات من السماء والنجوم. وفي وسط هذا الفخامة، جلست ثلاث نساء على أرائك من الحرير الأرجواني، كل منهن تحمل في عينيها قصة، وفي قلبها سكيناً.
فاطمة الزهراء كانت الأولى، ابنة عم الأمير وابنة الشيخ الأكبر للقبيلة الشمالية. جمالها كان حاداً كالسيف، وعيناها السوداوين كانتا تحفران في وجه ليلى بحثاً عن نقاط ضعفها. كانت ترتدي ثوباً من المخمل الأخضر، وعلى صدرها يتلألأ قلادة من الزمرد يقال إنها من ميراث الملكات.
وعلى يمينها جلست مريم، ابنة تاجر الحرير من دمشق، جاءت إلى القصر قبل خمس سنوات حين كان الأمير في السابعة عشرة من عمره. كانت رقيقة كزجاج، لكن ليلى عرفت من نظرة واحدة أن الرقة هذه تخفي صلابة الفولاذ.
أما الثالثة، فكانت نورة، جارية تحررت وأصبحت ضرّة، وكانت أجملهن وأخبثهن في آن واحد. شعرها الأسود كان يتدلى كشلال من الليل، وابتسامتها كانت تحمل بين ثناياها سموماً لا تُرى.
"أهلاً بكِ في الجناح،" قالت فاطمة الزهراء، وصوتها كان مثل الماء الجاري على الحصى، بارداً وصلباً. "كنا ننتظركِ بفارغ الصبر."
جلست ليلى على الأريكة التي أُشير إليها، وشعرت بآلاف العيون تراقبها من كل زاوية. لم تكن العيون الحقيقية فقط، بل كانت هناك عيون الغيبة والنميمة، أعين الجواري اللواتي سينقلن كل كلمة وكل حركة إلى أسيادهن.
"شكراً لكِ،" قالت ليلى، وصوتها كان هادئاً رغم العاصفة في داخلها. "أعتذر إن تأخرت، كان عليّ تأدية واجبي نحو والدة الأمير."
تبادلت الضرّات نظرات سريعة، وليلى لاحظت كيف ضاقت عينا نورة عند ذكر والدة الأمير. كانت هذه نقطة حساسة، فهذه المرأة العجوز التي بدت في الظاهر ضعيفة، كانت في الحقيقة صاحبة النفوذ الأكبر في القصر.
"والدة الأمير،" قالت نورة، وضحكت ضحكة خفيفة كانت مثل خشخشة الأوراق الجافة. "نعم، إنها امرأة... استثنائية. أليس كذلك يا أخواتي؟"
أومأت مريم برأسها، لكنها لم تتكلم. كانت تراقب ليلى بعينيها العسليتين، تحاول قراءة ما وراء الوجه الجميل. كانت تعلم أن ليلى ليست مجرد فتاة جميلة، فالشائعات التي انتشرت في القصر تتحدث عن أصول غامضة وقوى خفية.
"سأدعكِ الآن،" قالت فاطمة الزهراء وهي تقف. "غداً سنقيم وليمة ترحيب بكِ. أحضري شهيتكِ... إن استطعتِ."
خرجت الضرّات واحدة تلو الأخرى، وتركن ليلى وحيدة في الجناح الفسيح. لكنها لم تكن وحيدة حقاً، فالظلال كانت تتحرك في الأركان، والهمسات كانت تتناثر كالغبار.
***
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. كانت مستلقية على سريرها الحريري، وعيناها مفتوحتان تنظران إلى السقف المزخرف. كان هناك شيء ما يقلقها، ش��ء ما يختبئ في زوايا القصر كجرح ملتهب.
نهضت من سريرها واقتربت من النافذة. القمر كان بدراً، وضوءه الفضي كان يغسل الصحراء بنوره. مدت يدها لتلمس أشعة القمر، وفي تلك اللحظة شعرت بقوة غريبة تسري في عروقها.
منذ طفولتها، كانت ليلى تعرف أنها مختلفة. كانت ترى أشياء لا يراها الآخرون، وتشعر بأشياء بعيدة عن حواس البشر العادية. أمها كانت تسميها "عين الحقيقة"، وتقول إنها ورثتها عن جدتها العظيمة التي كانت كاهنة في معبد قديم.
أغمضت عينيها وركزت طاقتها. بدأت الصور تتدفق إلى ذهنها كفيضان من المعلومات المرئية. رأت القصر بأكمله، حجراته وممراته، حدائقه وأسواره. ثم رأت الناس، حراساً وجواري، وزوجات وخدم.
لكن ما رأته جعل قلبها يتوقف للحظة.
في الجناح الغربي، حيث تقع غرف فاطمة الزهراء، رأت اجتماعاً سرياً. كانت فاطمة تجلس مع رجل طويل القامة، لحيته سوداء كالليل، وعيناه تحملان شرارة الجنون. كان يتكلم بحماس، وفاطمة تصغي باهتمام بالغ.
اقتربت ليلى أكثر بروحها، وحاولت سماع ما يقال. كانت الكلمات متقطعة، لكنها التقطت عبارات هنا وهناك: "السم... في الطعام... غداً... وليمة... لن تشك."
انقطعت الرؤية فجأة، وفتحت ليلى عينيها لتجد نفسها تلهث. كانت يداهما ترتجفان، وقلبها يخبط كطبل الحرب. لم تكن بحاجة إلى مزيد من التفسيرات، فهي فهمت الخطة: سم في الطعام خلال وليمة الغد، وستكون هي الضحية.
لكن من كان ذلك الرجل؟ ولماذا يريد قتلها؟
قررت ليلى أن تستكشف أكثر. أغمضت عينيها مرة أخرى، ووجهت طاقتها نحو الغرفة الملكية حيث ينام الأمير. رأته مستلقياً على سريره، وجهه هادئ في نومه، لكن بجانبه كان هناك طفل صغير... ابنه من إحدى الضرّات.
فجأة، شعرت ليلى بوجود غريب. فتحت عينيها ووجدت جارية تقف عند باب غرفتها، يدها تحمل صينية من الفضة.
"سيدتي،" قالت الجارية بصوت مرتجف. "أحضرت لكِ حليباً دافئاً. سيساعدك على النوم."
نظرت ليلى إلى الحليب، ثم إلى عيني الجارية. بتركيز خفيف، استطاعت أن ترى هالة سوداء حول الكأس. السم كان واضحاً لعينيها الداخليتين.
"ضعه هناك،" قالت ليلى بهدوء. "سأشربه لاحقاً."
انحنت الجارية وخرجت مسرعة، وتركت ليلى تنظر إلى الكأس الذي كان سيكون نهايتها. كانت هذه المحاولة الثانية في ليلة واحدة. من كان يريدها ميتة بهذه الشراسة؟
***
في الصباح التالي، استيقظت ليلى على أصوات الجواري يتحركن في الجناح. كانت تعلم أن اليوم سيكون طويلاً وصعباً. كان عليها أن تواجه الضرّات في وليمتهن، وكان عليها أن تحافظ على حياتها دون أن تكشف عن قواها.
ارتدت ثوباً من الحرير الأزرق الفاتح، مطرزاً بخيوط الفضة. شعرها نسقته جاريتها الشخصية، نورة الصغيرة - لا تخلط بينها وبين الضرّة - فتاة طيبة القلب أهدتها إياها والدة الأمير.
"سيدتي،" قالت نورة الصغيرة وهي تثبت آخر دبوس في شعر ليلى. "سمعت الجواري يتحدثن... يقولون إنكِ لست من أصل نبيل."
نظرت ليلى إلى الفتاة في المرآة. "وماذا يقولون أيضاً؟"
"يقولون إنكِ ساحرة، وأنكِ سحرتِ الأمير ليتزوجك. ويقولون إن... إن..."
"قولي،" أمرت ليلى بلطف.
"يقولون إنكِ ستجلبين اللعنة على القصر."
ضحكت ليلى ضحكة خفيفة، لكنها كانت مرة. كانت هذه الشائعات بذوراً زُرعت بعناية لتدمير سمعتها. عرفت الآن أن الحرب لم تكن على جسدها فقط، بل على شرفها وكرامتها.
"لا تصدقي كل ما تسمعينه يا صغيرتي،" قالت ليلى. "الناس يتكلمون، والرياح تحمل كلماتهم بعيداً. الحقيقة وحدها تبقى."
خرجت ليلى من غرفتها واتجهت نحو قاعة الوليمة. كانت القاعة فخمة، سقفها المذهب يعكس ضوء الشموع المئوية، وطاولتها الطويلة تتراص عليها الأطباق الفاخرة.
جلست الضرّات في أماكنهن، وكل منهن تح